نهايةُ فصلٍ : النَّاس، وَالعِبَر، والرحلة التي سأحملها معي إلى الأبد

بعد ما يقارب عشر سنوات في مؤسسة واحدة، يصبح الوداع شعورًا غريبًا للغاية. نودّع ماذا؟ ومن؟ وإلى متى؟ هكذا أتخيّل أن مغادرة المدرسة الثانوية كانت بالنسبة لمعظم زملائي. لم أشعر يومًا بتعلّق بمدرستي أو بمرحلة الثانوية، لأنني قضيت معظمها في المنزل، فكان التخرّج مجرد وسيلة لغاية، رغم أنني درست في مدرسة خاصة دافئة الأجواء.

في سنواتي الأولى في موفيت، اكتشفت من أكون. ليس بسبب مكان العمل بحد ذاته، بل لأن ذلك العقد تزامن مع بدايات عشريناتي. اكتشفت ما أحب، والدافع الذي يحركني، وشغفي بالعمل، وما ستكون عليه أخلاقيات عملي لسنوات طويلة. كنت ساذجة وصغيرة حين بدأت، في الحادية والعشرين من عمري، في العام الذي تولّى فيه ترامب الرئاسة للمرة الأولى. كان من المثير للاهتمام أن أرى ذلك الانقسام السياسي في بيئة العمل، إلى جانب سياسات الشركات المعتادة. ومع ذلك، كانت المجموعة التي عملت معها أشبه بعائلة حقيقية.

بعد بضع سنوات، عشت أول فترة حداد شخصية في حياتي: وفاة أحد أعز أصدقائي وزميلي الأول في المكتب منتحرًا. أن تضطر لإخبار صديق بأن صديقًا آخر قد رحل، أمر لا أتمنى أن يمرّ به أحد. لن أسمع يومًا أغنية ريفية دون أن أتذكره. هو من عرّفنا على ما يُسمّى باللغة العربية "راب المهووسين"، وهو غريب فعلًا كما يبدو اسمه.

التقيت في هذا العمل بأشخاص علّموني أن أقدّر نفسي، ورأوني كما أنا. هناك شيء فريد في أن يراك الناس بقلبك الحقيقي، رغم أنهم لا يعرفونك عن قرب. قالت لي إحدى صديقاتي يومًا: "تيمية، أنتِ أفضل إنسانة أعرفها." لم أدرك حينها أثر كلماتها، لكن ذلك الموقف بقي عالقًا في داخلي، ولم أفهم تأثيره في حياتي إلا لاحقًا.

اتخذت خلال هذا العقد قرارات مصيرية غيّرت مجرى حياتي. بكيت وضحكت، انهرت وعشت أسعد وأصعب أيامي هناك. ومع ذلك، لا أبدّل أيًّا من تلك التجارب.

مهنيًا، نضجت، ورأيت غيري ينضج أيضًا. شهدت صعود وهبوط قيادات المؤسسة، وبتعبير "هبوط" أعلم أن وجهة نظري قد تختلف عن غيري، لكن ذلك حديث آخر. رأيت ماذا يحدث حين تضع المؤسسات المرضى أولًا، وماذا يحدث حين تقدّم المال على صحة موظفيها ومقدّمي الرعاية فيها. وأعرف اليوم ما ستكون معاييري عندما أعمل كمقدّمة رعاية في مجال آخر بعد عقد من الآن.

تعلّمت أيضًا كيف أميّز القيادة الحقيقية. يمكنك دائمًا أن تفرّق بين من يسعى للقيادة لأنه يعشق السلطة، ومن يقود لأنه يحب ما يفعل ولا يسعى إلى الأضواء. أسوأ القادة هم غالبًا أولئك الذين يتعطّشون للسلطة، لأن هؤلاء هم آخر من ينبغي أن يكونوا في مواقعها.

حملت أشخاصًا من على الأرض، حرفيًا ومجازيًا. أمسكت بأيدي مرضى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، واحتفلت بمرضى خرجوا من العناية المركزة وتمكنوا من المشي مجددًا. أدرت العمل حين كان الأطباء في قارات أخرى، ودافعت عن مرضى يحتضرون، وتابعت مكالمات طوارئ في منتصف الليل مع أطباء في مدن وولايات مختلفة. استُدعيت من اجتماعات لأتلقى خبر رحيل مرضى قبل أوانهم، لأحزن بصمت خلف الأبواب المغلقة مع الفريق، ثم أرفع الهاتف لأواسي عائلاتهم وسط ألم لا يُحتمل. العمل في مجال الأورام كان من أعظم النعم التي منحتني إياها الحياة.

الحياة والموت يعلّمانك الكرامة، والتواضع، والشرف. يعلّمانك أن الحياة أقصر مما نظن، وأن التفاصيل الصغيرة أهم من الكبيرة. نعم، العمل ليس كل شيء، لكننا في المهن التي نتعامل فيها مباشرة مع المرضى نكون أحيانًا أملهم الوحيد. بالنسبة لهم، نحن طوق النجاة، حتى وإن كانت النجاة الحقيقية في قوتهم داخل معركتهم مع المرض. ولكي تبقى في هذا المجال، تحتاج إلى أشخاص يفهمون لماذا تعطي من نفسك كل هذا، ولماذا قد تعود إلى المنزل منهكًا. تخيّل نفسك في قسم الطوارئ أو عيادة طبيب، هل تريد الشخص أمامك حاضرًا بكامل وعيه، أم يؤدي الحد الأدنى فقط؟ علينا أن نوازن بين حياتنا داخل العمل وخارجه، لنحافظ على عقولنا، ونرعى من نحب في البيت ومن يقع على عاتقنا مسؤوليتهم في العمل.

أنا ممتنة لأنني بدأت هذه الرحلة قبل أن يكون لديّ أسرة صغيرة خاصة بي. تعلّمت، من تجاربي وتجارب من حولي، كيف أحقق توازنًا حقيقيًا في الحياة. لست مثالية، لكنني رأيت زيجات وعلاقات أسرية تنهار خلال العقد الماضي، وتعلمت أن أميّز الأنماط. رأيت بيوتًا تبدو مثالية من الخارج، لكنها تتداعى بصمت في الداخل، تُحافَظ عليها فقط من أجل المظاهر. ولكن بأي ثمن؟ راحة أحد الشريكين؟ سعادته؟ ولماذا؟

رأيت أيضًا علاقات تزدهر وتعلمت منها. رأيت تدهورًا في الصحة النفسية، وفهمت ما يتطلبه الحفاظ على حياة يومية صحية. أتناول طعامًا جيدًا وأمارس الرياضة، ليس لأبدو جميلة، بل لأكون في التسعين من عمري قادرة على حمل أكياس التسوق، وحمل أحفادي وأبناء إخوتي ومن أحب، واللعب معهم حتى آخر نفس. رأيت صداقات تولد وأخرى تنتهي، وتعلمت أن كل علاقة جميلة وصادقة لها وقتها. الناس يدخلون حياتك لسبب، وأحيانًا لموسم فقط، لكن ما أجمل ذلك الموسم.

تعلّمت أن الغيرة موجودة، وأن الترهيب موجود. سيكرهك البعض لأنك واثقة، أو ثابتة، أو مرنة، أو مبدعة. سيكرهونك لأن لك صوتًا. وإن لم تأخذ من هذا الكلام شيئًا آخر، فتذكر: لم يكن الأمر يومًا عنك. الناس تكره ما تراه أو لا تراه في نفسها. سيحاولون التقليل منك بطرق خفية حتى تشك في نفسك. استمع لحدسك أكثر من أي شيء آخر. انتبه للغيرة، للتلاعب، للتلميحات الصغيرة، لكن لا تنخرط فيها. أبعد الطاقة السامة عن دائرتك.

اتبع بوصلتك الأخلاقية. أرجوك، احتفظ ببوصلة أخلاقية، فالعالم مضطرب بما يكفي. تذكّر أن المال سيأتي إذا حافظت على مبادئك وقيمك. لكل شيء ثمن، حتى الترقيات. لا تطارد لقبًا، بل طارد شغفك والمكان الذي تستطيع أن تُحدث فيه أكبر أثر. نافس نفسك فقط. مقارنة نفسك بالآخرين ستستنزفك سريعًا ولن توصلك إلى مكان.

العشب ليس أكثر خضرة في مكان آخر، بل يصبح أخضر حيث تسقيه. لكن إن أصبحت التربة فاسدة إلى حد لا يُصلح، فاذهب واسقِ أرضًا صحية. لا تتمسّك بالمألوف لمجرد أنه مألوف. كل شيء يحتاج إلى توازن، وعندما يختلّ الميزان كثيرًا، ارحل. اعرف قيمتك، لكن كن واقعيًا، واستمع لمن يحبونك حقًا.

هذه أمور كنت أتمنى أن يخبرني بها أحد عندما بدأت مسيرتي المهنية. ليست خاصة بمكان عملي، بل تنطبق على كل جوانب الحياة، وهي خلاصات تعلمتها على الطريق. أتمنى أن تفيد كل من يقرأها، أينما كان في رحلته. لم يفت الأوان أبدًا لإعادة تعريف حياتك . ومسارك

إلى كل من كان جزءًا من هذا الفصل الأخير: شكرًا لكم، أكثر مما تسعه الكلمات. لا أطيق انتظار ما يخبئه العقد القاد

Previous
Previous

Closing a Chapter: The People, the Lessons, and the Journey I’ll Carry Forward

Next
Next

Because some people don’t just do the work, they change the way the world feels